ابن كثير

51

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

خرّت خطايا يديه من أطراف أنامله ، ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره اللّه إلا خرّت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء ، ثم يقوم فيحمد اللّه ويثني عليه بالذي هو له أهل ، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » . قال أبو أمامة : يا عمرو ، انظر ما تقول ، سمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أيعطى هذا الرجل كله في مقامه ؟ فقال عمرو بن عبسة : يا أبا أمامة ، لقد كبرت سني ، ورق عظمي ، واقترب أجلي ، وما بي حاجة أن أكذب على اللّه وعلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لو لم أسمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا ، لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك . وهذا إسناد صحيح . وهو في صحيح مسلم من وجه آخر ، وفيه : ثم يغسل قدميه كما أمره اللّه ، فدل على أن القرآن يأمر بالغسل . وهكذا روى أبو إسحاق السبيعي عن الحارث ، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : « اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم » ، ومن هاهنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير عن علي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رش على قدميه الماء وهما في النعلين ، فدلكهما ، إنما أراد غسلا خفيفا ، وهما في النعلين ، ولا مانع من إيجاد الغسل والرجل في نعلها ، ولكن في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين . وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير « 1 » على نفسه ، وهو من روايته عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة قال : « أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سباطة قوم ، فبال [ عليها ] « 2 » قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه » وهو حديث صحيح وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال : فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه ، قلت : ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان وعليهما نعلان ، وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل « 3 » : حدثنا يحيى عن شعبة ، حدثني يعلى عن أبيه ، عن أوس بن أبي أوس ، قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توضأ ومسح على نعليه ، ثم قام إلى الصلاة . وقد رواه أبو داود « 4 » عن مسدد وعباد بن موسى ، كلاهما عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن أبيه ، عن أوس بن أبي أوس قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتى سباطة « 5 » قوم ، فبال وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه . وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم ، ثم قال : وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير محدث ، إذ كان غير جائز أن تكون فرائض اللّه وسنن رسوله متنافية ومتعارضة ،

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 475 . ( 2 ) الزيادة من الطبري . والسباطة : الموضع الذي ترمى فيه الكناسة والتراب . ( 3 ) مسند أحمد 4 / 8 . ( 4 ) سنن أبي داود ( طهارة باب 62 ) ( 5 ) في سنن أبي داود : « أتى كظامة قوم - يعني الميضأة » .